حوار مع خادم فَطِن (1)
حوارات حول الحياة المسيحية الأرثوذكسية
إحدى مقاهي وسط القاهرة – ٢٠١٩
الحوار الأول
يسطس: أتعرفُ يا إرميا؟
إرميا: لعلّه خيرًا.
يسطس: بعد عدة أعوام من انتظامي في خدمة مدارس الأحد.. أتغصَّب في هذه الأيام على النزول إلى الكنيسة.. وكأني سأذهب إلى العذاب.
إرميا: ولماذا ينتابك هذا الشعور؟
يسطس: أنتَ الذي تسأل؟ وقد اعتدتُ أنك تفسّر كل ظواهر الحياة.
إرميا: كُن واقعيًا يا رجل، ولا تبالغ.
يسطس: أنتَ تعرف أنّي لا أبالغ.
إرميا: في الحقيقة هناك أسبابٌ كثيرة تجعلك تشعر بهذا.
يسطس: سأكون سعيدًا إن اكتفيت بواحدٍ أو اثنين على الأكثر.
إرميا: حاول أن تُخفِض روح الدعابة لديك حتى نستطيع أنّ نستمرّ كأصدقاء.
يسطس: عُلِمَ ويُنفَّذ.
إرميا: أوَّل تلك الأسباب هي أنك كنت تذهب إلى الخدمة أو إلى الكنيسة بشكل عام لأجل سبب معيّن، وعندما اختفى هذا السبب شعرت بالبرودة تجاه الكنيسة.
يسطس: ربما.
إرميا: لا.
يسطس: نعم؟ ماذا تقصد؟
إرميا: أقصد أنه ليس من المحتمل ذلك، بل من المؤكد.
يسطس: وما الذي جعلك تشعر باليقين؟
إرميا: الكنيسة يا صديق ليست مثل أي مكان نذهب إليه، إنها المكان الذي يجعلني إنسانًا، وانقطاعي عن هذا المكان يعني احتمالَيْن، إما أني لم أرغب بعد أن أكون إنسانًا، أو أني لم أذهب لهذا الغرض من الأصل.
يسطس: كعادتك تقول كلامًا مُبهمًا لأمثالي.
إرميا: حاول أن تفهمني.
الكنيسة تقدّم لك شيئًا واحدًا وهو الليتورجيّة، جُلَّ ما تفعله الكنيسة هو القداس، ومع الوقت تغرّبنا نحن عن هذه الحقيقة، حقيقة أن غاية كلّ ما في الكنيسة هو الإفخارستيا، وعندما غابت عن أعيننا هذه الحقيقة، حلّت محلها حقائق أخرى مزيفة، مثل أن الكنيسة هي مجتمع بديل عن الوطن الذي نعيش فيه، وأن على مَن يخدم في الحقل الكنسي أن يبتكر وسائل لجذب مخدوميه، والنتيجة هي أنه حينما يغيب أي عنصر من العناصر المزيفة هذه، تنهار المنظومة بالكامل، ويصبح من غير المجدي الذهاب إلى الكنيسة.
يسطس: بدأت أفهمك. أنت تقصد أن الهدف الأساسي وراء ذهابي إلى الكنيسة لم يكن روحيًا.
إرميا: اقتصار ما تفعله الكنيسة -وأعني هنا ليتورجيتها- على أنه روحي فقط هو غير دقيق. الكنيسة تشكّل إنسانيتنا.
هدفك لم يكن إنسانيًا. لم تُرِد أن تصبح إنسانًا أفضل.
يسطس: أنا مندهش.
إرميا: ولِمَ؟
يسطس: لأن مستحيل أن يكون هذا هو هدف الكنيسة.
إرميا: ولِمَ لا؟!
يسطس: لأني بإمكاني أن أكون إنسانًا أفضل من خلال كورسات التنمية البشرية أو تنمية المهارات أو الأشياء من هذا القبيل.
إرميا: ولكنك لم تفهم قصدي.
يسطس: اشرح إذًا.
إرميا: الكنيسة تجعلك إنسانًا، ولكن ليس كأيّ إنسان، بل الإنسان الجديد الذي أوجده الرب يسوع بتجسده.
يسطس: لازلت في حاجة إلى أن أستفهم منك أكثر، ماذا صنع الرب يسوع بالتجسد؟
إرميا: لقد أوجد للإنسان حقيقته.
حلول الله في العالم الإنساني، واتخاذه لحمًا ودمًا إنسانيًا يعني أن الحقّ صار إنسانًا، وفي هذا الإنسان تكمن غاية الإنسانية وكمالها.
بالتجسد منح الله للإنسان الكرامة التي خلقهُ بغية أن يحققها، وهي كرامة البنوّة لله. تأمَّل معي هذا المشهد على نهر الأردن، المسيح الإله- الإنسان يقفُ صاعدًا من الماء وصوتُ الآب يسمعه الحاضرون “هذا هو ابني”، و”به سُررتُ”.
يسطس: وماذا يعنيان؟
إرميا: يعنيان أن إنسانيتنا في يسوع المسيح قد صارت تخصّ الله، والذي يخصّ الله هو فيه ومنه، لأنه لا يخصّه على سبيل العبودية، بل على سبيل البنوّة. الإنسان في يسوع المسيح صار ابنًا لله، المسيح قدّس الإنسانية بأكملها بسكناه في الجسد.
يسطس: هذا كلامًا خطيرًا جدًا.
إرميا: ربما لأنك تسمعه لأوَّل مرة.
يسطس: صحيح.
إرميا: رغم أن هذه الحقيقة هي التي تحاول الكنيسة أن ترسّخها في مداركنا بتكرارها على مسامعنا.
الكنيسة في القداس تحاول أن تضعنا أمام حقيقة وجودنا في المسيح وبنوّتنا لله، أي شركتنا معه. هذه الحقيقة كافية جدًا -إن تحوّلت إلى نمط حياة- أن تجعل الإنسان إنسانًا بحقّ.
يسطس: ولكنك قلت أنّ المسيح أوجد إنسانًا جديدًا، مَن هو هذا الإنسان؟ وما الفرق بينه وبين الإنسان الطبيعي؟
إرميا: أشكرك لأنك قلت أن هناك فرقٌ بين الإنسان الجديد والإنسان “الطبيعي”.
يسطس: عفوا! لكن لماذا؟
إرميا: لأنّ هذا الإنسان الجديد يحيا حياة أعلى وأسمى من حياة الإنسان الطبيعي.
سرّ هذه الحياة هو الحبّ، والحبّ يعني العطاء، والعطاء هو عطاء الذات ليس شيئًا أخرًا.
المسيح برهن على محبته لنا بأنه أعطانا ذاته مرة واحدة على الصليب، وكل يوم على المذبح، وبهذا قد أعلن أن قانون الإنسان الجديد هو الحب.
يسطس: ولكنه كان لابد له أن يموت.
إرميا: لماذا؟
يسطس: لكي يتحقق عدل الله ومحبته.
إرميا: ومَن الذي قال لك هذا الكلام؟
يسطس: أسمعه منذ حداثتي في الكنيسة.
إرميا: ألا تلاحظ أنني حينما تحدثتُ عن محبة الله اعترضتني أنت بالحديث عن العدل؟
يسطس: هذا حدث بالفعل.
إرميا: وهذا يعني أنك تُسقِط مفهومك البشري للعدل على الله.
يسطس: بمعنى؟
إرميا: بمعنى أنك تحاول أن تجعل الله عادلًا بمقاييسك أنتَ.
يسطس: وهل للعدل مقياسٌ أخر؟
إرميا: بالطبع.. أتسمّي عدلنا البشري عدلٌ؟
يسطس: إن لم يَكُن، فبماذا نسمّيه؟
إرميا: إنه صورة من صور تحقيق المساواة والتي ليست بالضرورة أن تجعل المجتمع أفضل أو أن تُصلِح ما فسد.
يسطس: أتقصد أن العدل البشري ليس صالحًا للبشر؟
إرميا: قد يكون صالحًا لتنظيم المجتمعات وتسوية النزاعات بين الأفراد والحكومات والدول، ولكنه لا يصلح أن يكون سلوكًا لله، كما لا يصلح أن يشرح سرّ الصليب.
يسطس: وما هو مقياس الله في العدل إذًا؟
إرميا: في الحقيقة أنا مندهش أنك تعتقد أن الله يجتمع فيه المتناقضات، اندهشتُ أنك استرعيت انتباهي بموضوع عدل الله وأنا أتحدث عن محبته، ممّا يعني أنك تظن أن في الله الشيء وعكسه.
يسطس: ربما ظنّك في محلّه!
إرميا: أوّل الأشياء التي يجب أن تعرفها عن الله، أنه لا يوجد فيه ما يناقض شيئًا أخرًا، وبالتالي يصبح العدل هو وجه أخر لعملة واحدة هي عملة صلاح الله ومحبته.
يسطس: وكيف يكون عدل الله هكذا؟
إرميا: حينما يُصلِح ما فسد لا أن يقتصّ.
يسطس: رائع.
إرميا: عدل الله صالحٌ، فهو يعدِل ما هو مائل، ويقوِّم الانحراف، ويُرجِع الإنسان لمساره الصحيح، تخبرنا عنه صلوات الكنيسة أنّه “ردَّ آدم إلى رئاستهِ مرّة أخرى”، هذا هو العدل الإلهي ببساطة.
يسطس: مُقنِع جدًا.
إرميا: إن بداخل كلّ منّا بذرة الصلاح، أي بذرة اللوغوس كما يسمّيها القديس يوستينوس، وهي التي تجعلنا نميّز ما هو حقيقيّ عن الله ممّا هو مزيَّف، وهي التي جعلتك تقتنع الآن بما أقوله، وصوتٌ داخلك يحدّثك: نعم، هذا يليق أكثر بالله، ينبغي أن يكون الله هكذا، وليس شيئًا أخرًا.
يسطس: هذا ما شعرتُ به بالضبط.
إرميا: فالصليب يا صديقي إذًا كان لأجل استرداد الإنسان الواقع تحت خضوع الموت.
يسطس: أتقصد الموت الجسدي؟
إرميا: الموت الجسدي هو أحد أعراض أو ظواهر الموت.
بالسقوط عرف الموت طريقه إلى الإنسان، والموت هنا هو كل ما يعمي الإنسان عن الحياة، أي كلّ ما يجعله يعرِض عن مصدر الحياة والوجود، ويجعله يفضّل العدم والموت، وهو نمط أصعب بكثير من الموت الجسدي وأعقد منه.
يسطس: أريد تعريفًا أكثر تحديدًا.
إرميا: يمكنك أن تعتبر الموت الذي عرف طريقه للإنسان هو الهوّة أو الفجوة الكيانية بين الإنسان والله، والتي تجعل الإنسان متغرّبًا عن حقيقته ولا تربطه بدائرة الحياة ومجالها أي رابط.
يسطس: وبالتجسد ربط المسيحُ الإنسانَ بالله ونقض هذه الفجوة؟
إرميا: ممتاز، بدأت تستنتج استنتاجات دقيقة.
يسطس: ولكنك كنت تتحدث عن الموت.
إرميا: الموت هو المرض الذي أصاب الإنسان، ونتج عنه أعراض هذا التغرّب وهي الخطية ورفض الله والبعد عنه، والأكثر دقّة هو اعتبار الإنسان ذاته مصدرًا للحياة بدًلا من الله، وهو ما تخبرنا عنه رواية سفر التكوين عن حادثة السقوط.
يسطس: صحيح، في تكوين أصحاح ٣ على وجه التحديد، لمّا أكلت حواء من ثمرة شجرة المعرفة وأعطت لآدم فأكل، وبسبب هذه الثمرة ساد الموت على الجنس البشري وتوارثت الخطية فيه.
إرميا: يا أخي، عمِّق نظرتك أكثر فأكثر لما يريد الكتاب المقدس أن يخبرنا به، الموضوع لا يرتبط بثمرة معيّنة فحسب، ولكنه يرتبط باختيار من اثنين، وكلاهما اختياران وجوديّان، يختبيء ورائهما نمطان وفلسفتان للحياة كلاهما عكس الأخر.
يسطس: أخبرني عن كلا المنهجين.
إرميا: المنهج الأول هو شجرة الحياة، وهو اختيار الحياة بالله، أن يكون الله نفسه هو مصدر الوجود والحياة وهذا لا يحدث إلّا بالشركة معه، والثاني وهو الذات التي هي في الأساس من العدم، ويخبرنا القديس أثناسيوس أن كلّ شيء ليس له كينونة في ذاته فهو عدم، ولأن الإنسان مخلوق من العدم، فبالتالي فهو لا يمتلك في ذاته مصدر الوجود والحياة ولكنه يتلقّاها من أخر وهو الله.
فما حدث هو أن الإنسان قرّر أن يستمد حياته من نفسه، رواية التكوين هي رواية البحث عن الذات، والإقرار بالعدم كحلّ أوحد للوجود، بمعزل عن الله الوجود الحقيقي، فتشوّه الإنسان وعرف الموتُ طريقه، لأنه فقد اتصاله بالحياة، فأصبح ميتًا.
أمّا عن الحديث عن توارث الخطية أو ما إلى ذلك، ورغم أني لا أجيد التحدُّث عن الأشياء العلمية، ولكن هناك قانون معروف لعالم الوراثة الشهير مندل، وهو أن الصفات المُكتسبَة لا تورَّث.
حاول أن تنظر نظرة أعمق للخطية وللإنسان، ما حدث هو أن الموت ساد على البشر، وصارت له السيادة الشرعية بتعبير الرسولي أثناسيوس، بسبب أن الإنسان فقد شركته مع الحياة فأضحى واقعًا في حفرة هي الموت ولا يستطيع أن ينتشل نفسه منها.
يسطس: أعتقد أن الموضوع أبسط من هذا، لماذا تحاول تعقيد الأمور؟
إرميا: لا يهمّ أن تكون الأمور بسيطة، ولكن من الضروري أن تكون حقيقيّة.
ومع ذلك أنا لا أرى أني أتحدث عن لوغاريتمات، وأستطيع أن أدلل على ما أقوله من حياتنا اليومية.
يسطس: فلتفعل أرجوك.
إرميا: أَتَذْكُرُ حينما كنّا في الثانوية، وأخبرتَني أنك تريد الالتحاق بكليّة الطبّ رغم أنكَ كنت من طلّاب الشُعبة الأدبية؟
يسطس: لقد طلبت منّي أن أُخفِض نسبة دعابتي لكي نستمر أصدقاء، وأنت الذي تثير السخرية الآن.
إرميا: عذرًا! لم أستطيع تفويت هذه الفرصة.
يسطس: قطعت انتباهي، ليسامحك الله.
إرميا: فلنفترض أن المعجزة قد حدثت وأنك بالفعل صرت طبيبًا، حينها ستنظر للعالم نظرة مختلفة، هي نظرة الطبيب، وسيتحول كلّ شيء أمامك ومن حولك إلى أشياء لها علاقة بالطب في ذهنك. بمعنى أنك حينما تنظر إلى شخص يكحّ أو يعطس فإنك تتخيّل في ذهنك الآثار المترتبة على تناثر الرذاذ، أو ستبدأ في تحليل الكُحّة في محاولة لتشخيص المرض.
يسطس: إلى ماذا تريد أن تصل؟
إرميا: أريد أن أقول أنّ الأمر فعلًا هكذا، المسيح هو الطبيب الحقيقي كما تدعوه أوشية المرضى، ولكي تعرف كيف نظر الله لمشكلة الإنسان يجب أن تفكّر كطبيب.
يسطس: وهذا إلامَ يقودنا؟
إرميا: سيقودنا إلى ما أريد أصلًا أن أشرحه لك، وهو مشكلة الموت التي أصابت الإنسان، وهي كما قلتُ لك من قبل مرض، وهذا المرض له أعراض كالخطية والانحباس والتقوقع حول الذات، فلكي يعالج الطبيب الحقيقي هذه المشكلة أزال مسبّب المرض الذي في حالة الطب قد يكون ميكروب أو فيرس، ولكن في حالتنا هذه هو الموت الذي وطئه السيد بقيامته المحيية، فأحيا الإنسان وأخرجه من دائرة الموت.
ألا زلت تشعر أنّ الأمر بعيدًا عن إدراكنا؟
يسطس: في الحقيقة لا، ولكن هل هذا يعني أن الله لم يكن مضطرًا أن يتجسد ويُصلَب من أجلنا؟
إرميا: بالضبط، أنتَ قلت أنّ هذا فعله من أجلنا، وهذا يعني أنه لم يكن محتاجًا أو مضطرًا لفعل هذا.
الكلام عن حتميّة التجسُّد والفداء ينكر على الابن حرية العطاء، والعطاء هو ماذا؟ أَتَذْكُر؟
يسطس: هو الحب.
إرميا: نعم هو الحب، وبدون الحرية لا يوجد حب، لأنه حينها سيصبح الله أسير قانون يخضع له وينفذه، وهذا ما لا يجب أن نتخيّله عن الله الذي أجاد على الإنسان بالوجود من العدم، ليشاركه وجوده وحياته لأنه لا يبخل ولا يحسد أحدًا على الوجود كما يخبرنا معلمنا أثناسيوس.
يسطس: الكلام معك لا ينتهِ يا صاحب، ولكني بحاجة إلى أن أغادر.
إرميا: غادر يا صديقي، ولكن لا تنسى أنّ سرّ الصليب هو سرّ الحب وهو سرّ العطاء.
يسطس: لا زلتُ أجد بعض الأشياء مُبهمَة ولا زال لديّ بعض الأسئلة، كما أنكَ لم تجب أو تفسّر سؤالي الأوّل بخصوص شعوري بالجفاء تجاه الكنيسة.
إرميا: سنستكمل حديثنا مرة بل مرّات أُخَر، وسنتطرق إلى مواضيع عديدة، لا تقلق بشأن هذا.
أمّا عن سؤالك الأخير بخصوص جفائك تجاه الكنيسة فهذا سيتطلَّب منكَ بعض الوقت لكي تفسّره وتستطيع الإجابة عليه.
يسطس: آراك لاحقًا، الربُّ معك.
إرميا: ومعك، سلام.